فخر الدين الرازي
203
تفسير الرازي
قلنا التلبيس غير لازم ، لأن المتنبي إذا جعل ذلك معجزة لنفسه فللمدعي أن يقول : لم لا يجوز أن يقال إن قوة أجسادهم كانت معجزة لنبي آخر قبلك ، ومع قيام هذا الاحتمال لا يتمكن المتنبي من الاستدلال به ، واعلم أن أجسام هذا العالم إما كثيفة أو لطيفة ، أما الكثيف فأكثف الأجسام الحجارة والحديد وقد جعلهما الله تعالى معجزة لداود عليه السلام ، فأنطق الحجر ولين الحديد وكل واحد منهما كما يدل على التوحيد والنبوة يدل على صحة الحشر ، لأنه لما قدر على إحياء الحجارة فأي بعد في إحياء العظام الرميمة ، وإذا قدر على أن يجعل في إصبع داود عليه السلام قوة النار مع كون الإصبع في نهاية اللطافة ، فأي بعد في أن يجعل التراب اليابس جسماً حيوانياً ، وألطف الأشياء في هذا العالم الهواء والنار ، وقد جعلهما الله معجزة لسليمان عليه السلام ، أما الهواء فقوله تعالى : * ( فسخرنا له الريح ) * وأما النار فلأن الشياطين مخلوقون منها وقد سخرهم الله تعالى فكان يأمرهم بالغوص في المياه والنار تنطفئ بالماء وهم ما كان يضرهم ذلك ، وذلك يدل على قدرته على إظهار الضد من الضد . ( القصة السادسة ، قصة أيوب عليه السلام ) قوله تعالى * ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) * اعلم أن في أمر أيوب عليه السلام وما ذكره الله تعالى من شأنه ههنا وفي غيره من ا لقرآن من العبر والدلائل ما ليس في غيره ، لأنه تعالى مع عظيم فضله أنزل به من المرض العظيم ما أنزله مما كان غيره له ولغيره ولسائر من سمع بذلك وتعريفاً لهم أن الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن الواجب على المرء أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها ، ويجتهد في القيام بحق الله تعالى ويصبر على حالتي الضراء والسراء وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال وهب بن منبه : كان أيوب عليه السلام رجلاً من الروم وهو أيوب ابن أنوص وكان من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط ، وكان الله تعالى قد اصطفاه وجعله نبياً ، وكان مع ذلك قد أعطاه من الدنيا حظاً وافراً من النعم والدواب والبساتين وأعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء ، وكان رحيماً بالمساكين ، وكان يكفل الأيتام والأرامل ويكرم